والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النَّبِيّ ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة ﵂ ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه وفعله ذلك لتتأسى به أمته في [شرعية](١) ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊، ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق. قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: بل الطلاق بغيض إليه ﷾، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة، جميعًا عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معروف، عن محارب، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره معناه مرسلًا (٢). وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بدّ من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة، حَدَّثَنَا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة (٤). يعني: أن النَّبِيّ ﷺ كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني: القلب، هذا لفظ أبي داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا، قال: وهذا أصح (٥).
وقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة.
قال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها: لا ذات زوج ولا مطلقة (٦).
(١) كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "شريعة" وهو تصحيف. (٢) سنن أبي داود، النكاح، باب في كراهية الطلاق (ح ٢١٧٧)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطلاق (ح ٢٠١٨)، ورجح الألباني أنه مرسل (إرواء الغليل ح ٢٥٤٥). (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول عَبيدة السلماني أخرجه الطبري والبيهقي بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه (السنن الكبرى ٧/ ٢٩٨)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) المسند ٦/ ١٤ وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (ح ١١٤٠)، وتتمة كلام الترمذي: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. ا هـ. والصحيح أنه مرسل كما سيأتي في سورة الأحزاب آية ٥١. (٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وبقية المفسرين ذكرهم ابن أبي =