والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة (١) وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافًا أن المراد بهذه الآية هذا، واللّه أعلم.
وقال الشافعي: أنبأنا ابن [عيينة](٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن بنت محمد بن مسلم كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا … ﴾ الآية (٣)، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق (٣).
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عمرو، حَدَّثَنَا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا … ﴾ إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه فإن استقرت عنده على ذلك فكرهت أن يطلقها فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك فإن لم ترض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك وكان صلحها عليه كذلك، ذكر سعيد بن المسيب وسليمان: الصلح الذي قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ جري وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ كانت عنده امرأة حتَّى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها حتَّى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتَّى إذا كادت تحل راجعها ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت [فارقتك](٤)، فقالت: لا بل أستقر على الأثرة فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثمًا حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها.
وهكذا رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار … فذكره بطوله (٥)، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها (٦).
(١) ذكر أغلبهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٢) كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "عبد" وهو تصحيف. (٣) أخرجه الواحدي من طريق الشافعي به (أسباب النزول ص ١٧٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٨). (٤) كذا في (حم) و (مح) والسنن الكبرى للبيهقي، وفي الأصل: "فارقيني". (٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧/ ٢٩٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه به، وسنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.