للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه (١). وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ كانوا في الجاهدية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] صغيرًا أو كبيرًا، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره، وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فانكحها واستأثر بها (٢).

وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييج على فعل الخيرات وامتثالًا للأوامر، وإن الله ﷿ عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.

يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله على فراقها فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.

(ذكر الرواية بذلك) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا … ﴾ الآية. قال ابن عَبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (٣). ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن غريب (٤).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت ومتنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير الداري عن ابن جبير.
(٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٨٣)، وفيه سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب لكن يشهد له حديث عائشة في الصحيحين الذي سيأتي بعد رواية الشافعي.
(٤) أخرجه الترمذي من طريق الطيالسي به (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٨٦).