للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة (١)، وكأنه كالمختار لذلك، واللّه أعلم.

ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تُستَر فإنه يشتهر غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر (٢) بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة، واللّه أعلم.

قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول الجمهور، علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم (٣).

وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر (٤)، والله أعلم.

والعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره ، الصلاة يوم الخندق وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، [والحمل على] (٥) تأخير الصلاة يومئذٍ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.

فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة كما دل عليه الحديث - فرادى ورجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النَّبِيّ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، وندفعها إلى من صلاته؛ أي: دعاؤه سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة، وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من منعها منهم.

ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولًا قبل ذكر صفتها، قال ابن جرير: حدثني ابن


(١) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح ٩٤٦)، وباب التبكير والغلس بالصبح (ح ٩٤٧).
(٢) كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "زمن عمر".
(٣) السيرة لابن هشام ٢/ ٢٠٣، والمغازي للواقدي ١/ ٣٣٥، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٦١.
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (ح ٤١٢٨). وقوله: وما قدم إلا في خيبر؛ أي ما قدم من الحبشة.
(٥) زيادة من (حم) و (مح).