يتركها في نفسه؛ يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النَّبِيّ ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب (١)، ثم صلى بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش:"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله أحدًا من الفريقين (٢).
وقد تكلمنا على هذا في كتاب "السيرة"، وبيّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة ههنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.
وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بينٌ في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي ﵀ وأهل السنن (٣). ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال:
(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو) قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتَّى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتَّى يأمنوا، وبه قال مكحول:
وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تُستَر (٤) عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها (٥). انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث
(١) وذلك كما قال ﷺ: "شغلونا عن الصلاة الوسطى … " (أخرجه مسلم، الصحيح، المساجد، باب الدليل لمن قال: "الصلاة الوسطي هي صلاة العصر"ح ٦٢٧). (٢) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح ٩٤٦). (٣) مسند الشافعي (ح ٥٥٣)، وسنن النسائي، الأذان، باب الأذان للفائت من الصلوات ٢/ ١٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي (ح ٦٣٨). (٤) تُستر: أعظم مدينة خوستان (مراصد الاطلاع ١/ ٢٦٢). (٥) قول الأوزاعي رواه البخاري معلقًا وقال الحافظ ابن حجر: ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب السير (الفتح ٢/ ٤٣٤)، وقول مكحول وصله الحافظ ابن حجر فذكر رواية عبد بن حميد في تفسيره عن عمر بن سعيد الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول (تغليق التعليق ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وأما قول أنس رواه البخاري معلقًا ووصله بواسطة ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات عن عفان بن مسلم ثنا همام بن يحيى، عن قتادة عن أنس … (تغليق التعليق ٢/ ٣٧٢).