للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : "من خرج حاجًا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة" (١). وهذا حديث غريب من هذه الوجه.

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.

يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية [المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] أباح له تناول الميتة مع الاضطرار إلا بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.

وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين (٢)، وهذا مرسل، ومن قائل: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحًا أو محظورًا حتَّى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود لعموم الآية وخالفه الجمهور.

وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حالٌ نزول هذه الآية، فإن في ابتداء الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ … ﴾ الآية [النساء: ٢٣].

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن إدريس، حَدَّثَنَا ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن


(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٣٨ ح ٦٣٥٧)، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وجميل بن أبي ميمونة ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٢/ ٢١٦)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٧٤٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٢/ ٤٤٧)، ورجاله ثقات لكنه مرسل.