اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني، لأنَّهُ قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره (١). وهذا الأثر غريب جدًّا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره وإن لم يكن ذلك سبب النزول، واللّه أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا سهل بن عثمان، حَدَّثَنَا [عبد الرحمن بن سليمان، حَدَّثَنَا أشعث - هو ابن سوار -، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج ضمرة](٢) بن جندب إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ، فنزلت ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ … ﴾ الآية (٣)، وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما نزلت ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النَّبِيّ ﷺ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤).
وقال الطبراني: حَدَّثَنَا الحسن بن عروبة البصري، حَدَّثَنَا حيوة بن شريح الحمصي، حَدَّثَنَا بقية بن الوليد، حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، حَدَّثَنَا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قال: من انتدب خارجًا في سبيلي غازيًا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانًا برسلي فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبدًا فنغصه حتَّى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، ونال من فضل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فهو شهيد". وروى أبو داود من حديث بقية من فضل الله إلى آخره، وزاد بعد قوله:"فهو شهيد، وإن له الجنة"(٥)] (٦)(٧). وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا إبراهيم بن زياد سبَلان، حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي ميمون (٨)،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه المنذر بن عبد الله الحزامي: مقبول، وعبد الرحمن بن عبد الملك صدوق يخطئ كما في التقريب ولم يتابعا. (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و (مح) وتفسير ابن أبي حاتم. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أشعث بن سوار ضعيف، وعبد الله بن سليمان بن أبي الجون صدوق يخطئ وقد توبعا بواسطة عمرو بن دينار ومحمد بن شريك في رواية لابن أبي حاتم كما له شواهد تقوية. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٥) ما بين معقوفين زيادة من (مح). (٦) المعجم الكبير (ح ٣٤١٨)، وأخرجه الحاكم من طريق بقية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧٨). (٧) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فيمن مات غازيًا (ح ٢٤٩٩). في إسناده ابن ثوبان فيه مقال. (٨) حميد بن أبي ميمونة كذا في الأصل و (مح)، وفي (حم): "حميد بن أبي حميد" وفي مسند أبي يعلى: "جميل بن أبي ميمونة" (المسند ١١/ ٢٣٨ ح ٦٣٥٧).