للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١).

وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل عالمًا: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخَر أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه، وهذه أن تبتعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة (٢). وفي رواية: أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.

قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك، قال: سمعت رسول الله يقول: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله"، ثم قال: بأصابعه هؤلاء الثلاث الوسطى والسبابة والإبهام فجمعهن، وقال: "وأين المجاهدون في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني: بحتف أنفه على فراشه، واللّه إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول اللّه ومن قتل قعصًا فقد استوجب المآب" (٣).

وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة [الحزامي] (٤)، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ


(١) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله ؟ (ح ٥٤)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب قوله : "إنما الأعمال بالنيات" (ح ١٩٠٧).
(٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٩٣ من هذه السورة المباركة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٣٤٠ ح ١٦٤١٤)، وضعفه محققوه بسبب وعنعنة ابن إسحاق، ومحمد بن إبراهيم لم يوثقه سوى ابن حبان. ومعنى: استوجب المآب: أي الآخرة أي مات شهيدًا فاستحق لذلك الدار الآخرة. قاله السندي في حاشية المسند.
(٤) كذا في (حم) و (مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "الخزاعي" وهو تصحيف.