للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أي: بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً … ﴾ الآية.

وقال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حَدَّثَنَا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد، قال رسول الله : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" (١).

وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله للعباس: "افد نفسك وابن أخيك" فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك، قال: "يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم"، ثم تلا عليه هذه الآية ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، رواه ابن أبي حاتم (٢).

وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على الخلاص (٣) من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.

قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا (٤).

وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، عسى من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.

قال البخاري: حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا رسول الله يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف" (٥).

وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو معمر المنقري، حدثني عبد الوارث، حَدَّثَنَا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه رفع يده بعدما سلم وهو


(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك ح ٢٧٨٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.
(٣) كذا في الأصل: وفي (حم) و (مح): "التخلص" وكلاهما مستقيم المعنى.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ … ﴾ [النساء: ٩٩] ح ٤٥٩٨).