للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الضرر، هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (١). فقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢)، وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت في صحيح البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله قال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه"، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: "نعم حبسهم العذر" (٣)، وهكذا رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس به، وعلقه البخاري مجزومًا، ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن النَّبِيّ قال: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه"، قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال: "نعم حبسهم العذر" لفظ أبي داود (٤)، وفي هذا المعنى قال الشاعر:

يا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جُسومًا وسرنا نحن أرواحا

إنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا

وقوله: أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.

قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: "إن في الجنة مِائَة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء الأرض" (٥).

وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله : "من رمى بسهم فله أجره درجة" فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: "أما إنها ليست بعتبة أُمك، ما بين الدرجتين مِائَة عام" (٦).


(١) سنن الترمذي، تفسير القرآن سورة النساء (ح ٣٠٣٢).
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة وأخشى وقوع سقط التفسير وهو قوله: "أهل العذر" كما رواه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب من حبسه العذر عن العدو (ح ٢٨٣٨).
(٤) أخرجه البخاري معلقًا بالجزم عقب الحديث السابق، ووصله الإمام أحمد (المسند ٣/ ١٦٠)، وأبو داود، السنن، الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر (ح ٢٥٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٩).
(٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله ح ٢٧٩٠)، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (الصحيح، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد ح ١٨٨٤).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي عوانة بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر (الإصابة ٦/ ٣٢٤).