للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ليستغفر له، فقال رسول الله : "لا غفر الله لك"، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النَّبِيّ فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم" ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا … ﴾ الآية (١).

وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله للمقداد: "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل" هكذا ذكره البخاري معلقًا مختصرًا (٢).

وقد روي مطولًا موصولًا، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا حمدان (٣) بن علي البغدادي، حَدَّثَنَا جعفر بن سلمة، حَدَّثَنَا أبو بكر بن علي بن مقدم، حَدَّثَنَا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى عليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلا الله؟ واللّه لأذكرن ذلك للنبي ، فلما قدموا على رسول الله قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: "ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ " قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾، فقال رسول الله للمقداد: "كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل" (٤).

وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي؛ خير مما رغبتم فيه عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.

وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين (٥). ورواه عبد الرزاق


(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وعنعنة ابن إسحاق.
(٢) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] (ح ٦٨٦٦).
(٣) حمدان كذا في النسخ الخطية وفي كشف الأستار (ح ٢٢٠٢)، ومختصر زوائد مسند البزار (ح ١٤٥٨)، باسم أحمد وكلاهما صحيح لأن حمدان لقبه (التقريب ص ٨٣).
(٤) مختصر زوائد مسند البزار (ح ١٤٥٨)، وكشف الأستار (ح ٢٢٠٢)، قال الهيثمي: إسناده جيد (مجمع الزوائد ٧/ ١١ - ١٢)، ونقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به.