تنفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات كافرًا فالنص أن الله لا يغفر له ألبتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بدّ من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بدّ من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بدّ من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم.
ثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، كما هو مقرر في كتاب الأحكام.
واختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام؟ على أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ، على قولين:
فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم، يجب عليه، لأنَّهُ إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس واعتضدوا بقضاء الصلاة المتروكة عمدًا كما أجمعوا على ذلك في الخطأ.
وقال أصحاب الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدًا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عمدًا، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال: حَدَّثَنَا عارم بن الفضل، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع، قال: أتى النَّبِيّ ﷺ نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب، قال:"فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار"(١).
وقال أحمد: حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسحاق، حَدَّثَنَا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا له: حَدَّثَنَا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال:"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار"(٢).
وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به، ولفظ أبي داود عن الغريف
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٧)، وفي سنده الغريف الديلمي مقبول كما في التقريب، وضعفه الألباني (إرواء الغليل ٧/ ٣٣٩ ح ٣٣٠٩)، وأخرجه الحاكم من طريق الغريف به وصححه وسكت عنه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢١٢). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده (المسند ٣/ ٤٩١)، وفيه أيضًا الغريف.