للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)[الفرقان: ٧٠] وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، واللّه أعلم.

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)[الزمر: ٥٣] وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب؛ أي: من أي ذلك تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء، والله أعلم.

وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مِائَة نفس، ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة (١) كما ذكرناه غير مرة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.

فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا … ﴾ الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعًا من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنزي، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (٢)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، واللّه أعلم بالصواب.

وبتقدير دخول القاتل في النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به فليس بمخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول : "أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان" (٣)، وأما حديث معاوية: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" (٤) فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا


(١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء باب (رقم ٥٤ ح ٣٤٧٠) وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (ح ٢٧٦٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن جامع عن العلاء بن ميمون العنزي به وسنده ضعيف لأن العلاء تفرد بهذا الحديث ولا يعرف إلا به (ميزان الاعتدال ٣/ ١٠٥) ومحمد بن جامع ليس بصدوق (الجرح والتعديل ٧/ ٢٢٣).
(٣) متفق عليه صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) … ﴾ [القيامة: ٢٢] (ح ٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٢).
(٤) تقدم في تفسير آية ٤٨ سورة النساء الحديث الثالث.