رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا (١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [المهادنة والصلح](٢) ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ [إسراء](٣) ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: بينًا واضحًا.
يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"(٤) ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر (٥):
من البيض لم تظعن بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا ريط مُرحَّل (٦)
ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلًا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فاسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية (٧).
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلًا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ، قال: إنما قالها متعوذًا فقال له: "هل شققت عن قلبه؟ "(٨)، وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل. (٢) (٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة دار الكتب المصرية كما في طبعة البابي الحلبي. (٤) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ … ﴾ [المائدة: ٤٥] (ح ٦٨٧٨)، وصحيح مسلم، القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (ح ١٦٧٦). (٥) هو جرير بن عطية الغطفي كما صرح الطبري في تفسيره. (٦) ديوان جرير بن عطية ٢/ ٩٤٥، والمرحل: نوع من ملابس اليمن سُمي مرحلًا لأن عليه تصاوير رحل (لسان العرب: ر ح ل) (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بمرسل رواه ابن أبي حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير. (٨) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن وانقطاعه لأنه لم =