بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومي أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا [لم تخشن](١) قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال:"اذهب معه فافعل ما يريد" فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله ﷺ وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢).
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم (٣)، وهذا أنسب لسياق الكلام.
وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد ﷺ وأصحابه وعهدهم (٤).
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٥)[التوبة: ٥].
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتالهم وهم الذي يجئيون إلى المصاف وهم حصرة صدروهم؛ أي: ضيقة صدروهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: المسالمة ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذٍ عن قتل العباس وأمر بأسره.
وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال ههنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها.
وقال السدي: الفتنة - ههنا - الشرك (٦).
وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون
(١) كذا في (حم) و (مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد بن جدعان. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حماد به (المصنف ١٤/ ٢٣٢)، وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان. (٤) صحيح البخاري، الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح ٢٧٣١). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.