تيممت العين عند ضارج (١) … يفيئ عليها الفيء عرمضها (٢) طامِ
والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابًا أملس طيبًا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" وفي لفظ: "وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء"(٣).
قالوا: فخصص الطهورية بالتراب، في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، والطيب ههنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، إلا ابن ماجه من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن [بُجْدان](٤)، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك خير" وقال الترمذي: حسن صحيح (٥)، وصححه ابن حبان أيضًا، ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان.
وقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث، رواه ابن أبي حاتم (٦)، ورفعه ابن مردويه في تفسيره.
وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال:
أحدهما: وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"(٧)، ولكن لا يصح، لأن في أسانيده ضعفاء، لا يثبت
(١) ضارج: اسم مكان اختلف في موضعه (معجم البلدان ٣/ ٤٥٠). (٢) العرمض: عشب أخضر يعلو الماء. (٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢). (٤) كذا في (حم)، والمسند والتخريج، وفي (مح): "مجدان"، وفي الأصل: "نجران" وكلاهما تصحيف. (٥) تقدم تخريجه وصحته قبل خمس صفحات. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، وقابوس لين الحديث كما في التقريب. (٧) سنن الدارقطني ١/ ١٨٠ (ح ١٦)، وضعفه الحافظ ابن حجر (الفتح ١/ ٤٤١)، وضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا.