أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق:"ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر اللّه له … " الحديث، وهو مذكور في سورة آل عمران، عند قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ … ﴾ [آل عمران: ١٣٥](١).
ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل ثم يصلي، ولا يتوضأ، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٢)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، عن جماعة من مشايخهم، عن وكيع به (٣)، ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء، وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة (٤). وقد وقع في رواية ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة (٥)، وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة (٦)، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله: من هي إلا أنت فضحكت، لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة … فذكره (٧)، واللّه أعلم.
(١) ينظر تخريجه في: تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥. (٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه وترجيحه. وصححهما أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري وفي تحقيقه لسنن الترمذي وقد أطال في تخريجه ليبرهن على صحة سنده، وأخرجه الترمذي بإسناده نفسه ومتنه (السنن، الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة ح ٨٦). (٣) سنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٧٩)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ٥٠٢) قال البوصيري: وقد رواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين فالحديث حجة بالاتفاق. اهـ. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٦٥). ولكن الحديث ليس حجة بالاتفاق لأن البعض قد أعله كما أفصح عن ذلك أحمد شاكر وأجاب عن ذلك بالتفصيل في تحقيقه لسنن الترمذي كما تقدم في الحاشية السابقة إشارة. (٤) ذكره أبو داود في السنن كما سبق في تخريجه وتتمة كلامه ما يلي: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا. السنن (ح ١٨٠). (٥) تقدم تخريجه قبل حاشيتين. (٦) المسند ٦/ ٢١٠. (٧) السنن، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٨٠).