وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو ذلك (١)، ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبّل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ (٢)، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه، على الاستحباب، والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس، هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد بن حنبل ﵏، قال ناصر هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية ﴿لَامَسْتُمُ﴾ و (لمستم)(٣)، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] أي: جسوه، وقال رسول اللّه ﷺ لماعز حين أقر بالزنا، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار:"لعلك قبلت أو لمست؟ "(٤)، وفي الحديث الصحيح:"واليد زناها اللمس"(٥)، وقالت عائشة ﵂: قلّ يوم إلا ورسول اللّه ﷺ يطوف علينا، فيقبل ويلمس (٦)، ومنه ما ثبت في الصحيحين، أن رسول اللّه ﷺ نهى عن بيع الملامسة (٧)، وهو يرجع إلى الجس باليد، على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق في اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر:
وألمستُ كفي كفَّه أطلب الغنى
واستأنسوا أيضًا بالحديث الذي رواه أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، قال: إن رسول اللّه ﷺ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا أتاه منها، غير أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، قال: فقال له رسول الله ﷺ: "توضأ ثم صلّ" قال معاذ: فقلت: يا رسول اللّه، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال:"بل للمؤمنين عامة"(٨)، ورواه الترمذي من حديث زائدة به، وقال: ليس بمتصل (٩)، ورواه النسائي: من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مرسلًا (١٠)، قالوا: فأمره بالوضوء، لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ، فإنه لم يلقه، ثم يحتمل
(١) أخرجه الدارقطني (السنن ١/ ٤٤ ح ٣٧)، وفي سنده عبد الله بن شبيب وهو متهم بسرقة الحديث وقلب الأخبار (لسان الميزان ٣/ ٢٩٧). (٢) مسند الفاروق ﵁ (١/ ١١٥ - ١١٧). (٣) كلتاهما قراءتان متواترتان. (٤) أخرجه البخاري (الصحيح، الحدود، باب هل يقول الإمام للمُقر: لعلك لمست وغمزت ح ٦٨٢٤). (٥) أخرجه البخاري (الصحيح، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج ح ٦٨٢٤). (٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٣٥). (٧) صحيح البخاري، البيوت، باب بيع المنابذة (ح ٢١٤٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة (ح ١٥١١). (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٢١٤٦ ح ٢٢١١٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما قالوا، فله شواهد صحيحة صححها الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٣٢٦ و ٣٣٢٩). (٩) سنن الترمذي تفسير سورة هود (ح ٣١١٣)، وقد برهن الترمذي على الانقطاع بين ابن أبي ليلي ومعاذ. (١٠) ينظر: تحفة الإشراف (ح ١١٣٤٣).