للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فخلط فيها، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١)، وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به (٢)، ورواه ابن جرير أيضًا عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة فقدموا عليًا فقرأ بهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل اللّه ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد اللّه بن حبيب - وهو أبو عبد الرحمن السلمي -: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من أصحاب النبي فصلى بهم المغرب، فقرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين)، فأنزل اللّه ﷿ هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣).

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى … ﴾ الآية، رواه ابن جرير (٤)، وكذا قال أبو رزين ومجاهد (٥) وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر (٦). وقال الضحاك في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم (٧)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب، لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله: وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب توجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري (٨) ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل


(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) سنن أبي داود، الأشربة، باب تحريم الخمر (ح ٣٦٧١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١١٨).
(٣) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، والرواية الأولى فيها ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد تفرد بأن الذي قرأ هو علي بن أبي طالب، والصواب عبد الرحمن بن أبي عوف ، وأما الرواية الثانية فحكمها كالروايات الحسنة المتقدمة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو سند ضعيف لكن يتقوى بما سبق من الروايات الثابتة.
(٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد فيها محمد بن حميد الرازي ضعيف، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسند حسن.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقد رده الطبري ورده حق.
(٨) كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "لا يدرك".