للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

من أصحابه، فأمر النبي قارئًا فقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى رسول اللّه حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: "يا رب، هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره" (١).

وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد اللّه - هو ابن مسعود - في هذه الآية، قال: قال رسول الله : "شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" (٢). [وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي على أمته، قال ابن المبارك: أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فإنه أثر وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه، وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على اللّه كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام (٣)] (٤).

وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾: لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].

وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئًا.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: سمعت اللّه ﷿ يقول - يعني: إخبارًا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا -: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: [تعالوا فلنجحد، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده فضيل بن سليمان، وهو النميري صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٤٤٧)، ويونس بن محمد ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٦)، ولبعضه شاهد متفق عليه تقدم.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣١٩)، وأخرجه الطبراني، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و (مح).
(٤) ذكره القرطبي في: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٩٤.