للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي

ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ أي: وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطرائق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملًا، وأنفقوا مما رزقهم اللّه في الوجوه التي يحبها اللّه ويرضاها، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه، فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا باللّه من ذلك.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.

يخبر تعالى أنه لا يظلم عبدًا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)[الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)[لقمان: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)[الزلزلة] وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: "فيقول اللّه ﷿: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار" (١)، وفي لفظ: "أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار فيخرجون خلقًا كثيرًا" (٢)، ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)(٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد اللّه بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيغفر اللّه من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس


(١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢] (ح ٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٣).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، صحيح البخاري، التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة (ح ٧٥١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٣).
(٣) هذا القول لأبي سعيد وهو الخدري، تتمة للحديث قبل السابق المتفق عليه.