ويجحدها فهو كافر لنعم اللّه [عليه](١)، وفي الحديث:"إن اللّه إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه"(٢)، وفي الدعاء النبوي:"واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا"(٣).
وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٤)، وقاله مجاهد (٥) وغير واحد، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلًا في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون [بإعطائهم](٦) السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه اللّه، وفي الحديث الذي ذُكر فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراؤون بأعمالهم، يقول صاحب المال:"ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول اللّه: كذبت إنما أردت أن يقال: كريم فقد قيل"؛ أي: أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك (٧).
وفي الحديث: أن رسول اللّه ﷺ، قال لعدي بن حاتم:"إن أباك رام أمرًا فبلغه"(٨).
وفي حديث آخر: أن رسول اللّه ﷺ سئل عن عبد اللّه بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال:"لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"(٩). ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسَّن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾، ولهذا قال الشاعر:
(١) زيادة من (حم) و (مح). (٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث مالك بن نضلة الجشمي بنحوه (المسند ٢٥/ ٢٢٢ ح ١٥٨٨٧)، وصححه محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٥٤١٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٩٠). (٣) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود مرفوعًا (السنن، الصلاة، باب من ذكر التورك في الرابعة ح ٩٦٩)، والطبراني في المعجم الكبير (ح ١٠٤٢٦)، وقال الهيثمي: سنده جيد (المجمع ١٠/ ١٨٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٥٥). (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه قال: نزلت في اليهود. (٦) زيادة من (حم) و (مح). (٧) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بنحوه وأطول (الصحيح، الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة … ح ١٩٠٥). (٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٥٨)، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ١/ ١٢٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٤٠). (٩) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل ح ٢١٤).