للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

من جيش أحمد لا وخشٍ تنابلة … وليس بوصف ما أنذرت بالقيل

قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرّ به ركب من بني عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمرّ الركب برسول الله وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (١).

وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله حين بلغه رجوعهم: "والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب".

وقال الحسن البصري في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله : إن أبا سفيان قد رجع، وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟ فقام النبي وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله ، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي يطلبه، فلقي عيرًا من التجار، فقال: ردوا محمدًا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعًا وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله بذلك، فقال النبي : "حسبنا الله ونعم الوكيل". فأنزل الله هذه الآية (٢).

وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن حمراء الأسد (٣).

وقيل: نزلت في بدر الموعد (٤)، والصحيح الأول.

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا … ﴾ الآية، أي الذين توعدهم الناس بالجموع خوّفهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا، وقالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل" (٥).


(١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢ - ١٥٣، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ … ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية ح ٤٥٦٣).