وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم، أي ربهم، أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ … ﴾ (١) الآية.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم يدعو عليهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع "أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"(٢).
ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١﴾ قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب (٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلًا [ذكر به](٤) الأنبياء وثوابًا أعطاهم، إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم (٥).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء الأسد (٦)، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كرّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أُحد سوى جابر بن عبد الله ﵁، لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عزَّ وحلَّ ولرسوله ﷺ.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن [عمرو](٧)، عن عكرمة، قال: لما رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد - أو بئر أبي عنبة (٨) - الشك من سفيان (٩) فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار. (٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا … ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (ح ٢٨١٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت. (ح ٦٧٧). (٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩. (٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "ذكرته" وهو تصحيف. (٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٦) حمراء الأسد تبعد عن المدينة (٢٠) كيلًا جنوبًا. (٧) في الأصل: "عن عمر" والصواب المثبت. (٨) كذا في الأصل و (ح) وفي تفسير ابن أبي حاتم ورد بلفظ: بئر أبي عتبة، وكذا في نسخة (عف) و (مح)، والصواب ما أثبته وهو بئر من آبار المدينة (ينظر: خلاصة الوفا بأخبار المصطفى ص ٤٦١). (٩) والصحيح أنهم بلغوا حمراء الأسد كما هو المشهور في كتب السير (ينظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٥٣، =