(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا"(١). تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان وعبيدة، عن محمد بن إسحاق به (٢)، وهو إسناد جيد.
وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.
وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه [ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد ﵀](٣)، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﷺ أجمعين، قال: قال رسول الله ﷺ: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"(٤).
قوله:"يعلق" أي: يأكل، وفي هذا الحديث:"إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة" وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، في الجنة كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، وششبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل الله الجنة.
قال محمد بن إسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم (٥).
قال السدي: يُؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غائبهم (٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (المجمع ٥/ ٢٩٨) وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وجود إسناده الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٣) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك في (عف) و (ح و (حم) و (مح). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٨٥ ح ١٥٧٧٨)، وصححه محققوه والحافظ ابن كثير. (٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما يذكره من الغيب لا يؤخذ من التابعين.