عبد الله بن عمرو:"أنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح"(١).
وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض"(٢) حديث غريب. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وكذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبًا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون؟ ولكن نقول: اذهب، فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (٣) مقاتلون. وشاورهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المُعْنق ليموت، بالتقدم إلى أمام القوم (٤). وشاورهم في أُحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ، فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؛ فقال له الصّديق: إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، وقال ﷺ في قصة الإفك:"أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم بسوء، والله ما علمت عليه إلا خيرًا" واستشار عليًا وأُسامة في فراق عائشة ﵂(٥). فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها (٦).
وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبًا عليه أو من باب الندب تطييبًا لقلوبهم؟ على قولين. وقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب [العلاف](٧) بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٨)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت
(١) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه وأطول (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ح ٤٨٣٨). (٢) في سنده بشر بن عبيد، قال ابن عدي: منكر الحديث (الكامل في الضعفاء ٢/ ٤٤٧). (٣) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود مختصرًا (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ … ﴾ [الأنفال: ٩] ح ٣٩٥٢). (٤) تقدم الحديث عن مشاورته ﷺ في الآية ١٢١ من هذه السورة. (٥) ينظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٥٦٧. (٦) سيأتي الحديث عن مشاورته ﷺ لعلي ﵁ في سورة النور آية ١١. (٧) في الأصل: "العلاي" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و (مح) و (ح). (٨) أخرجه الحاكم سنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٧٠).