للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضًا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا جَمْع حطامها الفاني،

ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله ﷿، فيجزيه بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.

يقول تعالى مخاطبًا رسوله، ممتنًا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أُمته المتَّبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: أي شيء جعلك لهم لينًا، لولا رحمة الله بك وبهم.

وقال قتادة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم (١).

وما صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وبالنكرة كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ وهكذا ههنا قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي برحمة من الله.

وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد بعثه الله به (٢).

وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)[التوبة].

وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة، حدثنا [بقية] (٣)، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخذ بيدي أبو أُمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله فقال: "يا أبا أُمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه" (٤). تفرد به أحمد.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ والفظ الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام [لقوله بعد ذلك: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: لو كنت سيء الكلام] (٥)، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم، كما قال


(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.
(٣) في الأصل: "شعبة" وهو تصحيف وما أثبت من المسند و (عف) و (ح) و (حم) و (مح).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٦٧) وسنده حسن، وبقية، هو ابن الوليد صرح بالسماع، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٦٣).
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).