أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أُحد وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ومناسب ذكره ههنا.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول: يوم أُحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله أني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفى الله عنه؟ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله أني تركت سنة عمر فإِني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك (١). والله أعلم.
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار أو الحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا للتجارة [ونحوها](٢) ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ أي: في البلد ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم، ثم قال تعالى رادًّا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيي أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم (٣) شيء.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٩٠) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١/ ٤٥ ح ١٣٥)، والبزار من طريق عاصم به قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي وائل من حديث عاصم، ومن حديث منصور وقد ذكرناه عن التيمي عن عاصم إذ كان حسن المخرج واقتصرنا عليه (البحر الزخار ٢/ ٥٢ ح ٣٩٥)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٦). (٢) كذا في (عف) و (مح)، وفي الأصل: "وغيرها" وكذا في (ح) و (حم). (٣) كذا في (عف) و (ح) و (ح) و (مح)، وفي الأصل: "من أمرهم"، كلاهما صحيح.