للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هَتَمًا (١)، فأصلحنا من شأن رسول الله ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه (٢). ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدِة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (٣) كراهية أن يؤذي رسول الله ثم استلَّ السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم.

وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه، أنه بلغه، أن مالكًا أبا أبي سعيد الخدري لما [جرح] (٤) النبي يوم أُحد مصَّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي : "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" فاستشهد (٥).

[وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله فقال: جرح وجه رسول الله وكُسرت رباعيته وهُشمت البيضة على رأسه ، فكانت فاطمة بنت رسول الله تغسل الدم وكان عليٌّ يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم (٦)] (٧).

وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمًّا على غمّ، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان.

وقال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل (٨).

قال ابن عباس: الغمُّ الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ، والثاني: حين


(١) جاء في حاشية (عف): "الهتم: كَسرُ الثنايا".
(٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٣) وسنده ضعيف بسبب إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو ضعيف (التقريب ص ١٠٣).
(٣) جاء في حاشية (عف): "النضنضة" تحريك الحية لسانها. اهـ. وقال ابن الأثير: في حديث أبي بكر: "دخُل عليه وهو ينضنض لسانه" أي: يحركه (النهاية ٥/ ٧٢).
(٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم) (مح)، وفي الأصل: "خرج" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب به (دلائل النبوة ٣/ ٢٦٦) وسنده ضعيف لإبهام شيخ عمر بن السائب.
(٦) صحيح البخاري، الجهاد، باب لبس البيضة (ح ٢٩١١)، وصحيح مسلم، الجهاد (ح ١٧٩٠).
(٧) ما بين معقوفين ورد في الأصل: "في آخر تفسير الآيات" وأثبت كما في (عف) و (ح) و (حم) و (مح).
(٨) ذكره الطبري وذكر ما قبله في الآية (التفسير ٦/ ١٥٠).