رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقُتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ:"بل أنا أقتل أُبيًا" ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١)[الملك: ١١]. وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه (٢).
وذكر محمد بن إسحاق، قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أُدركه أُبي بن خلف وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ:"دعوه" فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم - ما ذكر لي - فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ (٣) منها عن فرسه مرارًا. وذكر الواقدي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ. هذا أُبي بن خلف (٤).
وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "اشتدَّ غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ - وهو حينئذٍ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله"(٥)، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتدّ غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتدّ غضب الله على قوم دَمّوا وجه رسول الله ﷺ(٦).
قال ابن إسحاق: أُصيبت رباعية رسول الله ﷺ، وشُجَّ في وجنته، وكُلِمت (٧) شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمته
(١) أخرجه البيهقي عن أبي الأسود به (دلائل النبوة ٣/ ٢٥٨). وسنده مرسل ويتقوى بالمرسل التالي. (٢) أخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة به (دلائل النبوة ٣/ ٢١١)، وسنده مرسل أيضًا ويتقوى بالمرسل السابق. (٣) أي: تقلب عن فرسه (سيرة ابن هشام ٣/ ٦٠١). (٤) هذه الرواية من طريق الواقدي وفيه مقال. (٥) صحيح البخاري، المغازي، باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أُحد (ح ٤٠٧٣)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ (ح ١٧٩٣). (٦) صحيح البخاري، نفس الباب السابق (ح ٤٠٧٤). (٧) أي: جُرحت.