للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن (١) بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله (٢).

وحدثنا أبي، حدثنا الحسن (٣) بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة (٤)، قال: قام رجل إلى علي ، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا (٥). وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا.

وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا (٦)، والصحيح قول علي . فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس" (٧) فإنه كما ترى من مفردات (٨) ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه - والله أعلم - أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.

وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبكُّ أعناق الظلمة والجبابرة (٩) بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها؛ أي يزدحمون (١٠). قال قتادة: إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها (١١). وكذا روى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان (١٢).


(١) في الأصل: "الحسين" وهو تصحيف، والتصويب من التخريج و (عف).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفيه مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي كما في التقريب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]. ورجح قول علي الحافظ ابن كثير كما سيأتي.
(٣) في الأصل: "الحسين" وهو تصحيف، والتصويب كسابقه.
(٤) في الأصل: "عمرة" وهو تصحيف والتصويب من التخريج و (عف) و (ح) و (حم).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كاملًا، وفي سنده خالد بن عرعرة سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٣٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٧) دلائل النبوة ٢/ ٤٥، وقد أكد البيهقي على تفرد ابن لهيعة بهذا الحديث.
(٨) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "تفردات" وكلاهما صحيح.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند صحيح عن محمد بن زيد بن مهاجر.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند حسن عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بلفظه بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وقول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد حسان.