للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغًا (١)، وقد فعله يعقوب جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: كان حلًّا لهم، جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه

﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ أي: فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًا آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا مِلَّة إبراهيم التي شرعها في القرآن على لسان محمد فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)[الأنعام].

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾.

يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس؛ أي: لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي: وضع مباركًا ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ ، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حيث أدركتَ الصلاة فصلّ فكلها مسجد" (٢). وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به (٣).


(١) في الأصل: "سابقًا" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٠) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ … ﴾ [ص: ٣٠] (ح ٣٤٢٥)، وصحيح مسلم، المساجد، الحديث الأول (ح ٥٢٠).