يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل - فحرم لحومها" قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيده - أو في يديه - مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله ﷿" قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇"، قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونًا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … ﴾ إلى آخر الآية (١) وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب (٢). وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ وهو يعقوب - يعتريه عِرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عِرقًا ولا يأكل ولد ما له عرق (٣). وهكذا قال الضحاك والسدي (٤). كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانًا به واقتداءً بطريقه، قال: وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
قلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان:
(إحداهما): أن إسرائيل ﵇ حرم أحبَّ الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا (٥) في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ … ﴾ الآية [الإنسان: ٨].
(المناسبة الثانية): لما تقدم السياق في الردِّ على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأُمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الردِّ على اليهود، وبيان أن النسخ (٦) الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دوابّ الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرَّم إسرائيل على نفسه لُحمان: الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇، وقد فعله الخليل في
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه تقريبًا (المسند ٤/ ٢٨٥ ح ٢٤٨٣) وحسنه محققوه إلا السؤال عن الرعد. (٢) سنن الترمذي، الموضع السابق والسنن الكبرى للنسائي ٥/ ٣٣٦ (ح ٩٠٧٢). (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين وكلاهما ضعيف ويشهد له ما تقدم مرفوعًا. (٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له ما تقدم، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٥) قوله: "سائغًا" كذا في (عف) و (حم) و (ح) و (مح)، وفي الأصل: "شائعًا". (٦) في الأصل: "المسيح"، والتصويب من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).