طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ (١) أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأيديهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ، لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم بردِّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك قصدًا إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة (٢) إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي؛ يعني محمدًا ﷺ، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم.
قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال:"إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿" ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (٣)، وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري (٤)، عن سفيان الثوري، عن أبيه به، ثم قال البزار:[ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن](٥) أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يذكر مسروقًا، وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع، عن سفيان، ثم قال: وهذا أصح (٦). لكن رواه وكيع في تفسيره، فقال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي
(١) سنده حسن وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به. (٢) في الأصل: "متابعة" والمثبت من (عف) و (ح) و (مح). (٣) سنن سعيد بن منصور (ح ٥٠١) وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٢). (٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح) والتخريج، وفي الأصل: "أبي محمد" وهو تصحيف. (٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه. (٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة آل عمران (ح ٢٩٩٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي =