أزيد فيها شيئًا سوى [هذه](١)، والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٢) ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (٣).
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، نزلت في وفد نجران (٤)، وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه:
(أحدها): يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.
(الثاني): يحتمل أن صدر سورة آل عمران، نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية، نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية، ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان.
(الثالث): يحتمل أن قدوم وفد نجران، كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفق ذلك، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.
(الرابع): يحتمل أن رسول الله ﷺ، لما أمر بكتب هذا الكلام في كتابه إلى هرقل، لم يكن أنزل بعد، ثم أنزل القرآن موافقة له ﷺ، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].
ينكر ﵎ على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل
(١) "هذه": سقطت من الأصل واستدركت من (عف) و (ح) و (مح). (٢) الأريسيين: الفلاحين (ينظر: فتح البخاري ١/ ٣٩)، وكذا لفظها في البخاري وأما في (عف) فجاءت بلفظ: "اليريسين"، وفي الأصل: "البريتين" وهو تصحيف. (٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح ٧). (٤) ذكره ابن إسحاق بسند ضعيف معضل من طريق محمد بن جعفر بن الزبير (سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦). وأخرجه البيهقي بسند عن ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي أُمامة (دلائل النبوة ٥/ ٣٨٥) وسنده معضل أيضًا.