ويكني بأبي زكرياء، منهم بالنهروان، فأظهر الزهد والتقشف وأكثر الصلاة، وكان يأكل من عمل يده، وإذا جلس إليه إنسان زهده في الدنيا وأعلمه أن المفترض عليه خمسون صلاة في اليوم والليلة [ص ٨٣] وأنه يدعو إلي إمام من أهل البيت، فاستهوى خلقا كثيرا، وكانت لرجل معروف يقال له الهيصم ضياع، فأعلم أن القائمين عليها اشتغلوا عنها برجل صفته كذا ويقول كذا، وأخبر خبر الرجل، فسار إليه وأخذه، وحلف ليضربن عنقه، ثم جعله في بيت ورمى عليه قفلا، وألقى المفتاح تحت وساده، وشرب فلما سكر ونام، أخذت جاريته المفتاح وفتحت البيت وأخرجت الرجل وأطلقته، وردت المفتاح في موضعه، فلما قام من سكره وفتح البيت فلم يجد الرجل، فأصابه وهم، وقال:
هذا الرجل صالح، وأشاع الأمر، فتسارع الناس إلى الرجل، فعظم شأنه، واستفحل أمره، وصنع لهم دينا وقرآنا أوحاه إليه شيطان، ومما تضمنه قرآنه:
يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها بصرى إنه داعية المسيح عيسى بن
= أوله: (بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان وهو عيسى، وهو الكلمة وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد ابن الحنفية، وهو جبرئيل) وفي الكتاب كثير من كلمات الكفر والتحليل والتحريم، وكثر أتباعه والسالكون سبيله، فكان منهم زكرويه بن مهرويه، وأبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، كلاهما من جهات القطيف والبحرين، وقام بنو القليص بن ضمضم (من بني كلب بن وبرة) بدعوته بين العراق والشام، وعلي بن الفضل في اليمن، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في جبل (الكلبية) باللاذقية وفي نجران باليمن، وفي القطيف غربي الخليج العربي، واندمج أكثرهم في الإسماعيلية والنصيرية وغيرهما من طوائف الباطنية، وتداخلت أخبار (أحمد قرمط) في كتب التاريخ بأخبار دعاته، والأرجح أنه هو الذي قبض عليه عامل (الرحبة) سنة ٢٩٣ هـ، وقتله المكتفي بالله العباسي، وفي المنتظم لابن الجوزي شرح لبعض أحوال القرامطة. (المنتظم القسم الثاني من الجزء الخامس ١١٠ - ١١٩، ابن الأثير ٧/ ١٤٧ - ١٤٩ و ١٦٨ و ١٨٠، النجوم الزاهرة ٣/ ١٣٨، ابن خلدون ٤/ ١١ و ٨٤ - ٨٧، الطبري حوادث سنة ٢٨٩ - ٢٩٤، المسعودي ٨/ ٢٢٤، اللباب ٢/ ٢٥٥، ابن خلكان ١/ ٥٠٢، جزيرة العرب ٩٦، بلوغ المرام ١٣)