قال: وأقام بمكة مدة يلاحظ أقدام رسول الله ﷺ، ويتمثل طريقته، وينسج على منواله، فأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد اطلع على الجفر (١)، وعلوم أهل البيت، وأتى مراكش فرأى زينب بنت أمير المسلمين علي بن تاشفين (٢)، وحولها جوار لها يرفلن بالحلي والحلل، وهن حاسرات، فأنكر عليهن وضربهن بعصاة، فلما بلغ هذا أباها، عقد له مجلسا، وجمع فيه العلماء وأحضره، فتكلم بكلام أنكى به ابن تاشفين، فأشار عليه مالك بن وهب بسجنه، وقال: هذا لا يجري منه خير على الدولة، فقام الوزير وقال: هذا أضعف من أن يخاف منه، فخلصه الله منه، فقال لأصحابه: إن ابن وهب لا يبرح يضرب الأمثال فينا لعلّي حتى يبدو له رأي آخر، والرأي أن يعتصم بالجبل، فصعدوا إلى درن (٣) وبايعه أصحابه على أنه
(١) الجفر: علم يبحث فيه عن الحروف ودلالتها على أحداث العالم. (٢) ابن تاشفين: علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني، أمير المسلمين بمراكش، وثاني ملوك دولة الملثمين المرابطين، ولد بسبتة وبويع بعد وفاة أبيه سنة ٥٠٠ هـ بعهد منه، ملك من البلاد ما لم يملكه أبوه لأن البلاد كانت ساكنة والأموال وافرة والرعايا آمنة بانقطاع الثوار واجتماع الكلمة، كان حليما وقورا صالحا عادلا، وفي أيامه ظهر محمد بن عبد الله المهدي ابن تومرت فعجز عن دفع فتنته، واضطربت أموره، فمات غما في مراكش، ولم يشهر خبر موته إلا بعد ثلاثة أشهر منه سنة ٥٣٧ هـ. (الحلل الموشية ص ٦١ - ٩٠، الاستقصاء ١/ ١٢٣ - ١٢٦، رقم الحلل ص ٥٣، جذوة الاقتباس ص ٢٩١) (٣) درن: جبل من جبال البربر بالمغرب، فيه عدة قبائل وبلدان وقرى. (ياقوت: درن)