فكان صوته عاليا عليهم، وحجّته ظاهرة لديهم. وأخت معزّ الدولة بحيث تسمع كلامه، حتى شهدت له بالفضل، وكان منها الإنكار عليهم فيما كذبوه عليه، وأضافوه إليه، وبذلت له شيئا من المال، فامتنع من قبوله، مع خفة حاله، وقلّة ماله، زهدا وورعا (١).
قال القاضي أبو يعلى: حكى لنا ابو بكر أحمد بن إسحاق المعروف بابن سكينة الأزجي، قال: حكى لنا الشيخ أبو الفضل ابن التميمي، قال: حكى لي شيخ كان يسافر في طلب الحديث: أنه وقع إليّ في خبر، أنّ النبي ﷺ قال:"إذا كان يوم القيامة، يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب"(٢).
قال: فسافرت كذا كذا بلد، أسأل: هل هناك زيادة على هذا العدد؟. فما زادني أحد. وكلّ يقول: هكذا سمعنا. فدخلت مدينة البصرة، وسألت عن ذلك؟ فما زادني أحد. فلما كان ذات يوم، نمت وأنا تعب، فرأيت النبي ﷺ،
(١) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢/ ١٢٢. (٢) روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي ﷺ: (عرضت علي الأمم، فأجد النبي يمر معه الأمة، النبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون). فقام إليه عكّاشة بن محصن ﵁ فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعله منهم". ثم قام إليه رجل آخر قال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال ﷺ: "سبقك بها عكّاشة". انظر: صحيح البخاري: الجزء الرابع ٨٤ - كتاب الرقاق ٥٠ - باب: يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب - الحديث رقم: ٦١٧٥. ورواه مسلم في صحيحه: الجزء الأول ١ - كتاب الإيمان (٩٤) باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب - الحديث رقم: ٣٦٧ - (٢١٦).