انقسموا العلماء إلى قسمين: فريق منهم - وهم الجمهور (٢) - قالوا: لا حد في التعريض، ويستدلون بالحديث الصحيح في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله فقال:"يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! "(٣) - يُعرِّض بنفيه - فلم يقم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدًّا ولم يأمر بذلك، وأما الفريق الآخر - وهم مالك ومن معهم - فقالوا: إنه يُحَدُّ في التعريض، ويستدلون بقصة عمر - رضي الله عنه - في الرجلين اللذين اختصما، فقال أحدهما للآخر:"ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية"، فاستشار عمر - رضي الله عنه - الصحابة في ذلك فقالوا:"قد مدح أباه وأمه" فقال عمر - رضي الله عنه -: "لقد عرَّض به"، فأمر به فجُلد حد القذف (٤).
فالكناية -كما هو معلوم- ليست صريحة الدلالة، ولكنها تحتمل، ولذلك فجمهور العلماء لا يعتدون بذلك، ورأيتم ما استدل الجمهور به ولم يذكره المؤلف، وهو قصة الذي عرَّض بامرأته بنفي الوالد عندما قال:
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٥/ ٥٠٠) عن عَمرة قالت: استبَّ رجلان، قال أحدهما: "ما أمي بزانية وما أبي بزانٍ"، فشاور عمر القوم، فقالوا: مدح أباه وأمه، فقال: "لقد كان لهما من المدح غير هذا" فضربه. (٢) وهم الحنفية والشافعية والحنابلة، وتقدم مذهبهم. (٣) سيأتي تخريجها. (٤) تقدم تخريجه.