فدلَّ ذلك على أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين، وربما يكون ثلاثين.
وغالب الآثار التي جاءت عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ذكروا فيها أنهم كانوا يصومون مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأن أكثر الأشهر التي صاموها تسعةً وعشرين يومًا، وهذا هو الذي نراه الآن؛ يعني: غالب الأشهر إنما هي تكون تسعة وعشرين يومًا فلا تكمل ثلاثين يومًا، لكن من الأشهر ما يصل ثلاثين.
هذا هو مذهب جماهير العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، وقد سبق ذلك (١).
(١) مذهب الحنفية، يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي"، للمرغيناني (١/ ١١٧)؛ حيث قال: "وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان فإن رأوه صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم صاموا؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا"؛ ولأن الأصل بقاء الشهر فلا ينتقل عنه إلا بدليل ولم يوجد". وانظر: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (١/ ٣١٦) وما بعدها". مذهب المالكية، يُنظر: "الشرح الكبير"، للشيخ الدردير و"حاشية الدسوقي" (١/ ٥٠٩)؛ حيث قال: " (يثبت رمضان)؛ أي: يتحقق في الخارج وليس المراد خصوص الثبوت عند الحاكم بأحد أُمور ثلاثة: إما (بكمال شعبان) ثلاثين يومًا وكذا ما قبله إن غم ولو شهورًا لا بحساب نجم وسير قمر على المشهور؛ لأن الشارع أناط الحكم بالرؤية أو بإكمال الثلاثين فقال -عليه الصلاة والسلام-: "الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له". وفي رواية: "فأكملوا عدة شعبان"، وهي مفسرة لما قبلها، قال مالك: إذا توالى الغيم شهورًا يكملون عدة الجميع حتى يظهر خلافه اتباعًا للحديث، ويقضون إن تبين لهم ما هم عليه". مذهب الشافعية، يُنظر: "مغني المحتاج"، للشربيني (٢/ ١٤١)؛ حيث قال: "وإنما يجب (بإكمال شعبان ثلاثين) يومًا (أو رؤية الهلال) ليلة الثلاثين منه لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"".