بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَ: وَقَسَّمَ أَبُو بَكْرٍ سَبْيَ النُّجَيْرِ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ، فَفَرَّقَ الْخُمُسَ فِي النَّاسِ، وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، قَالَ: وَقَدِمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ النُّجَيْرِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُفَادُوا سَبْيَهُمْ، وَقَالُوا: وَاَللَّهِ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا رَجَعْنَا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ شَحَحْنَا بِأَمْوَالِنَا، وَقَدْ رَجَعَ مَنْ وَرَاءَنَا إلَى مَا خَرَجُوا مِنْهُ، وَبَايَعُوا لَك رَاضِينَ، فَقَالَ: بَعْدَ مَاذَا؟ بَعْدَ أَنْ وَطِئْتُكُمْ بِالسَّيْفِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ الْوَفْدُ أَبَا بَكْرٍ أن يفادوا أسراهم، أجابوا إلَى ذَلِكَ، وَخَطَبَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَسْرَاهُمْ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ أَنْ يُغَيِّبَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَقَدْ جَعَلْنَا الْفِدَاءَ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةٍ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَجَمَعَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مَا تَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ مَا اسْتَخْرَجَهُ زِيَادٌ مِنْ حِصْنِ النُّجَيْرِ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَجَعَلَهُ مَغْنَمًا، انْتَهَى.
أَثَرٌ آخَرُ يَشْهَدُ لِمَذْهَبِنَا: رَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي "كِتَابِ الرِّدَّةِ" أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إسْلَامِ أَهْلِ دَبَا، وَأَزْدِ عُمَانَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ مُصَدِّقًا، وَكَتَبَ مَعَهُ فَرَائِضَ الصَّدَقَاتِ، قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ، وارتدوا، فدعاهم إلى التوبة، وَأَسْمَعُوهُ شَتْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمْ حُذَيْفَةُ: أَسْمِعُونِي فِي أَبِي وَأُمِّي، وَلَا تُسْمِعُونِي فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَوْا إلَّا ذَلِكَ، فَكَتَبَ حُذَيْفَةُ إلَى أبو بَكْرٍ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَاغْتَاظَ غَيْظًا شَدِيدًا، وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي نَحْوِ أَلْفَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمْ وَدَخَلُوا مَدِينَةَ دَبَا فَتَحَصَّنُوا فِيهَا، وَحَاصَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ نَحْوَ شَهْرٍ، فَلَمَّا جَهَدَهُمْ الْحِصَارُ، طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ عُزْلًا، مِنْ غَيْرِ سِلَاحٍ، فَفَعَلُوا، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنَهُمْ، فَقَتَلَ عِكْرِمَةُ مِنْ أَشْرَافِهِمْ مِائَةَ رَجُلٍ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَقَامَ عِكْرِمَةُ بِدَبَا عَامِلًا عَلَيْهَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَقَدِمَ حُذَيْفَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالسَّبْيِ، وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ نفر، منهم ثلثمائة مُقَاتِلٍ، وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ، فِيهِمْ أَبُو الْمُهَلَّبِ أَبُو صُفْرَةَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، فَسَجَنَهُمْ أَبُو بَكْرٍ فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَاسْتَشَارَ فِيهِمْ، فَكَانَ رَأْيُ الْمُهَاجِرِينَ قَتْلَهُمْ، أَوْ تَفْدِيَتَهُمْ بِإِغْلَاءِ الْفِدَاءِ، وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ أَنْ لَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ، وَلَا فِدَاءَ، فَلَمْ يَزَالُوا مَحْبُوسِينَ حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ نَظَرَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَا سَبْيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَرْسَلَهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، وَقَالَ: هُمْ أَحْرَارٌ حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ، مُخْتَصَرٌ، وقد يقال: إنَّ عُمَرَ لَمْ يَتَحَقَّقْ رِدَّتَهُمْ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا اسْتَشَارَ فِيهِمْ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّهُمْ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ، وَإِنَّمَا شَحُّوا بِأَمْوَالِهِمْ، قَالَ: وَالْقَوْمُ يَقُولُونَ: وَاَللَّهِ مَا رَجَعْنَا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا شَحَحْنَا بِالْمَالِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدَعَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَزَالُوا، الْحَدِيثُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.