وإن لم يصرفوا الى مصارفِها، فعليهم (١) الإعادة خُفْيةً: أي يؤدُّونَها إلى مستحِقِّيها فيما بينَهم وبين الله.
وإنِّما قال: يُفْتَى أن يعيدوا خُفْيةً؛ احترازاً عن قولِ بعضِ المشايخ: إنَّه لا إعادةَ عليهم؛ لأنَّهم لما تسلَّطوا على المسلمين، فحكمُهم حكمُ الإمامِ ضرورةً؛ ولهذا يصحُّ منهم تفويضُ القضاء، وإقامةُ الجُمعِ والأعياد، ونحو ذلك.
والجواب عن هذا: أن ما ثَبَتَ بالضَّرورة يتقدَّرُ بقدرِها، يعني نصبَ القُضاة، وإقامةَ ما هو من شعائرِ الإسلام ضرورة، بخلاف الزِّكاة، فإنَّ الأصلَ فيها الأداءُ خُفْية، قال الله تعالى:{وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}(٢).
وعن قولِ بعضِ المشايخ (٣): إنَّه إذا نوى بالدَّفعِ إليهم التَّصدُّقَ عليهم سَقَطَ عنه؛ لأنَّهم بما عليهم من التَّبعات فقراء.
والشَّيخُ الإمامُ أبو منصورٍ المَاتُرِيدِيُّ (٤) زَيَّفَ هذا، فإنَّه قال: لا بُدَّ من إعلام المتصدَّقِ عليه.
وأيضاً: لا خفاءَ في أن الزَّكاةَ عبادةٌ محضةٌ كالصَّلاة، فلا يتأدَّى إلاَّ بالنِّيَّةِ الخالصةِ لله تعالى ولم توجد.
ثُمَّ اعلم أن العبارةَ المذكورةَ في «الهداية» هذه: والزَّكاةُ مَصْرِفُها الفقراء، ولا
(١) أي على الملاك أن يؤدُّوها ثانيةً. (٢) البقرة، (٢٧١)، وتمامها: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. (٣) حُكِيَ هذا القول عن أبي جعفر الهنداوني، ينظر: «العناية» (٢: ١٥٠)، وقال السرخسي في «المبسوط» (٢: ٢٩٠)، هو الأصح. (٤) وهو محمد بن محمد بن محمود الماتُرِيديّ، أبو منصور، إمام الهدى، نسبته إلى مَاتُريد محلة بسَمَرْقَنْد، قال ابن الوفاء: كان من كبار العلماء. وقال الكفوي: إمام المتكلِّمين، ومصحِّحُ عقائد المسلمين. من مؤلفاته: «التوحيد»، و «المقالات»، و «ردّ أوائل الأدلة»، و «ردّ الأصول الخمسة» للباهلي، و «ردّ الإمامة» لبعض الروافض، و «مآخذ الشرائع» في الفقه، و «الجدل» في أصول الفقه، و «بيان وهم المعتزلة»، و «تأويلات القرآن»، (ت ٣٣٣ هـ). ينظر: «الجواهر» (٣: ٣٦٠ - ٣٦١)، «الفوائد» (ص ٣٢٠).