وأيضاً الحديثُ المشهور، وهو حديثُ (١) المسحِ على النَّاصية (٢)، دلَّ على أنَّ الاستيعابَ غيرُ مراد، فانتفى قولُ مالكٍ - رضي الله عنه -.
وأمَّا نفيُ مذهبِ الشَّافعيِّ (٣) - رضي الله عنه - فمبنيٌّ على أنَّ الآيةَ مجملةٌ (٤) في حقِّ المقدارِ لا مطلقةٌ (٥) كما زعم؛ لأنَّ المسحَ في اللُّغة: إمرارُ اليدِ المبتلَّة (٦).
ولا شكَّ أنَّ مماسّةَ الأنملةِ (٧) شعرةً أو ثلاثاً لا تُسَمَّى مسحَ الرَّأس، وإمرارُ اليدِ يكونُ له حدّ، وهو غيرُ معلوم، فيكونُ مجملاً؛ ولأنَّهُ إذا قيل: مسحتُ بالحائط، يرادُ به البعض، وفي قولِهِ تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ}(٨) يرادُ (٩) الكلّ، فتكونُ الآيةُ في المقدارِ مجملة، ففعلُهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ «مسحَ على ناصيتِه»(١٠) يكون بياناً.
(١) وهو ما روي عن المغيرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في «صحيح مسلم» (١: ٢٣١)، و «المجتبى» (١: ٧٦)، و «شرح معاني الآثار» (١: ٣١)، وغيرها. وعن أنس - رضي الله عنه - في «سنن أبي داود» (١: ٣٦)، و «سنن ابن ماجه» (١: ١٨٧)، و «مسند أبي عوانة» (١: ٢١٨)، و «المستدرك» (١: ٢٧٥)، وغيرها. (٢) النّاصية: واحدة النَّواصي: وهي قصاص الشعر في مقدِّم الرأس، وهي لغة طيئيَّة. ينظر: «اللسان» (٦: ٤٤٤٧). (٣) ينظر: «مغني المحتاج شرح المنهاج» (١: ٥٣). (٤) المجمل: وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد به اشتباهاً لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل. ينظر: «المنار» (ص ٧). (٥) المطلق: هو الشائع في جنسه، بمعنى أنه حصة من الحقيقة محتملة الحصص كثيرةً من غير شمول، ولا تعيين. ينظر: «التلويح» (١: ٦٣). (٦) سقطت من ص و ف و م. (٧) الأَنْمَلَة: من الأصابع العُقْدة، وبعضهم يقول الأنامل رؤوس الأصابع، عليه قول الأزهري، الأنملة: المفصل الذي فيه الظُّفْر، وهي بفتح الهمزة مع فتح الميم أكثر من ضمها، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم. ينظر: «المصباح المنير» (٢: ٩٦٨) للفيومي. (٨) من سورة النساء، آية (٤٣). (٩) زيادة من م. (١٠) سبق تخريجه قبل أسطر.