الصديق وعمر ﵄! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل ﵈!! وهذا غلو منه، فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش والأعشى، و [من] يرى الخط الثخين، دون الدقيق (١) إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة، وآخر بضده.
ولهذا -والله أعلم- قال الشيخ ﵀: وأهله في أصله سواء، يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله (٢)، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت [درجات] نور "لا إله إلا الله" في قلوب أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى: فمن الناس من نور ["لا إله إلا الله"] في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، وآخر كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف؛ ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور الإيمان والتوحيد علما وعملا، وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته، بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا شبهة ولا ذنبا إلا أحرقه، وهذه حال الصادق في توحيده، فسماء إيمانه قد حرس بالرجوم من كل سارق، ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي ﷺ:"إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله"(٣)، وقوله:"لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله"(٤)، وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، ونحو ذلك. والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا
(١) في الأصل: الرفيع. (٢) في الأصل: العلم. (٣) متفق عليه من حديث عتبان بن مالك. (٤) متفق عليه، نحوه من حديث عتبان.