وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، تغمده الله برحمته، بعد المائتين، فإن مولده سنة تسع وثلاثين ومائتين، ووفاته [سنة إحدى وعشرين] وثلاثمائة (١).
فأخبر ﵀ عما كان عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني ﵃، ما كانوا يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين.
وكلما بعُد العهد، ظهرت البدع، وكثر التحريف، الذي سماه أهله تأويلا ليقبل، وقلّ من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل. إذ قد يسمى (٢) صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلا، وإن لم يكن ثم قرينة توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما.
فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة، ودفع الشبه الواردة عليها، وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم، الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه، امتثالا لأمر ربهم، حيث قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] فإن معنى الآية يشملهم.
وكل من التحريف والانحراف على مراتب: فقد يكون كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ.
فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزله الله عليهم. و [قد] ختمهم الله بمحمد ﷺ، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والأنس، باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت به حجة العباد على الله. وقد بين الله به كل شيء،