الحق (١). فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون [قد] عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة، فإنه لا يخزيه.
وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوا عليه:"إن هذا والذي جاء به موسى ﵇ ليخرج من مشكاة واحدة"(٢). وكذلك ورقة ابن نوفل، لما أخبره النبي ﷺ بما رآه، وكان ورقة [قد] تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة:"أي عم! اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي ﷺ بما رأى فقال: هذا [هو] الناموس الذي كان يأتي موسى"(٣).
وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي ﷺ، فسأل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار، سألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا، قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا، وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه؟ وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: هل يرجع
(١) أخرجه البخاري من حديث عائشة، وهو طرف من الحديث الذي قبله. (٢) حسن، وهو طرف من حديث أم سلمة في هجرتها إلى الحبشة الهجرة الأولى. أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" "١/ ٣٥٧ - ٣٦٣ ابن هشام" وعنه أحمد "١/ ٢٠١ - ٢٠٣"، وسنده حسن. (٣) أخرجه البخاري، وهو من تمام حديث عائشة الذي قبله.