للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله (١)، علم علما يقينا أنه ليس بشاعر ولا كاهن.

والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة، قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم ضروري، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه [وبغضه] وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه، بأمور تظهر على وجهه، قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٠] ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد: ٣٠]. وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفات وجهه وفلتات لسانه. فإذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله، كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟

ولهذا لما كانت خديجة تعلم من النبي أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: "إني قد خشيت على نفسي" (٢)، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب


(١) في الأصل: العلم والتصحيح من مطبوعة دار المعارف.
(٢) صحيح، وهو قطعة من حديث بدء الوحي الطويل في أول "صحيح البخاري" "رقم ٣ مختصر البخاري طبع المكتب الإسلامي"، وكان في الأصل وفي مطبوعة مكة "على عقلي"! وقد قال الشيخ أحمد شاكر في ذلك: "هو خطأ فاحش، لعله من الناسخ، بل هو كلام غير معقول، وحاشا رسول الله أن يقول هذا، بل إن بعض العلماء فسر خشيته على نفسه، في هذا الحديث، بأنه خشي الجنون! واستنكره الحافظ في الفتح ١: ٢٣، قال: "وأبطله أبو بكر بن العربي، وحق له أن يبطل. ا. هـ".

<<  <   >  >>