للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الوفاة خيرا لي" (١)، إلى آخر الدعاء. ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه (٢) من حديث ثوبان عن النبي : "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (٣). وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي : أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" (٤).

واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو. وكذلك لا يجيب الله المعتدين في الدعاء. وكان الإمام أحمد يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه.

وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [سورة فاطر: ١١]، فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد: (٣٨)، ٣٩]، [على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾]. اللوح المحفوظ. ويدل على هذا


(١) صحيح، وقد تقدم بتمامه "برقم ٣٨".
(٢) إطلاق لفظة الصحيح على المستدرك فيه تسامح ظاهر، لكثرة الأحاديث الضعيفة والمنكرة الواقعة فيه، بل وبعض الموضوعات، ولذلك تجد الحذاق من المحدثين يقولون: رواه الحاكم في "المستدرك".
(٣) حسن، دون قوله: "وإن الرجل ليحرم … " وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه راو مجهول، لكن له شاهد دون الزيادة المذكورة فالحديث حسن بدونها، وقد تكلمت على الحديث في "الأحاديث الصحيحة" رقم "١٥٤" طبع المكتب الإسلامي.
(٤) أخرجاه من حديث ابن عمر، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل". وقد خرجته في "كتاب السنة" لابن أبي عاصم برقم "٣١٢ - ٣١٤" و"الإرواء" "٢٥٨٥".

<<  <   >  >>