للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعذاب في القبر كان خيرا وأفضل" (١)، فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكأن له أجلان وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان على القاتل، لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور، وعلى هذا يخرج قوله : "صلة الرحم تزيد في العمر" (٢) أي: سبب طول العمر، وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه.

فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟

فالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله لأم حبيبة : "قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة … " الحديث، كما تقدم. فعلم أن الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغيرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة، فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي، شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي أنه قال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت


(١) صحيح، وهو عند مسلم في "القدر"، وأحمد في المسند "١/ ٣٩٠، ٤١٣، ٤٣٣، ٤٤٥، ٤٤٦"، وابن أبي عاصم في "السنة" رقم "٢٦٢ - ٢٦٣".
(٢) صحيح، وهو قطعة من حديث رواه أبو يعلى عن أنس بسند ضعيف، لكن معناه صحيح، يشهد له أحاديث كثيرة منها حديث أنس أيضا مرفوعا: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه". متفق عليه.

<<  <   >  >>