مَاذَا تَحْشُو بِهِ وِعَاءَكَ وَاعْرِفِ الدُّنْيَا وَانْبِذْهَا وَرَاءَكَ، فَإنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ، وَلاَ لَكَ فِيهَا مَحَلُّ قَرَارٍ، وإنَّهَا جُعِلَتْ بُلْغَةً لِلْعِبَادِ لِيَتَزَوَّدُوا مِنْهَا لِلْمَعَادِ.
وَيَا مُوسَى وَطِّنْ نَفْسَكَ علَى الصَّبْرِ، تَلْقَ الْحِلْمَ، وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ التَّقْوَى، تَنَلِ الْعِلْمِ، وَرَضِّ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ، تَخْلُصْ مِنَ الإثْمِ (مص: ٢٠٤).
يَا مُوسَى تَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ إنْ كنْتَ تُرِيدُهُ، فإنَّمَا الْعِلْمُ لِمَنْ تَفَرَّغَ لَهُ. وَلاَ تَكُونَنَّ مِكْثَاراً بِالْمَنْطِقِ مِهْذَاراً، فإن كثْرَةَ الْمَنْطِقِ تَشِينُ الْعُلَمَاءَ، وَتُبْدِي مَسَاوِئَ السُّخَفَاءِ، وَلكِنْ عَلَيْكَ بِذِي اقْتِصَادٍ فإنَّ ذلِكَ مِنَ التَوْفِيقِ وَالسَّدَادِ. وَأَعْرِضْ عَنِ الْجُهَّالِ، وَاحْلُمْ عَنِ السُّفَهَاءِ، فَإنَّ لِكَ فَضْلُ الْحُكَمَاءِ، وَزَيْنُ الْعُلَمَاءَ. وَإذَا شَتَمَكَ الْجَاهِلُ، فَاسْكُتْ عَنْهُ سِلْماً، وَجَانِبْهُ حَزْماً، فَإنَّ مَا لَقِيَ (١) مِنْ جَهْلِهِ عَلَيْكَ وَشتْمِهِ إيَّاكَ، أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ.
يَا ابْنَ عِمْرَانَ، لاَ تَفْتَحَنَّ بَاباً لاَ تَدْرِي مَا غَلْقُهُ، وَلاَ تَغْلِقَنَّ بَاباً لاَ تَدْرِي مَا فَتْحُهُ (ظ: ٢١) يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَنْ لاَ تَنْتَهِي مِنَ الدُّنْيَا نَهْمَتُهُ وَلاَ تَنْقَضِي فِيهَا رَغْبَتُهُ، كَيْفَ يَكُونُ عَابِداً؟.
مَنْ يَحْقِرُ حَالَهُ وَيَتَّهِمُ الله بِمَا قَضَى لَهُ، كَيْفَ يَكُونُ زَاهِداً؟.
هَلْ يَكُفُّ عَنِ الشَهَوَاتِ مَنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ، وَيَنْفَعُهُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْجَهْلُ قَدْ حَوَّلَهُ، لأَنَّ سَفَرَهُ إلَى آخِرَتِهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى دُنْيَاهُ.
(١) في (مص، ش): "بقي".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.